لم ينجح الصليبيين في حملاتهم الإستعمارية للعالم الأسلامي بقوة السلاح فما كان منهم الا نهش العقيدة والدين من قلوب المسلمين وذلك ما جاء به المستشرقون وما ساعدهم عليه من الصليبيين العرب اللاهثين وراء سراب واحلام من الغرب كلما اقتربوا منها وجدوها سراباً يحسبه الظمئان ماء.
ومن تلك المخططات ماجاء في كتاب الدكتور سفر الحوالي "العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة" الفصل الأول / التخطيط اليهودي الصليبي
والتي فندها فضيلته كالتالي
1- الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة، فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية ، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند .وإن القرآن من وضع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام !! أو هو نتف من نسخ التوراة والإنجيل المهجورة وآراء المتحنثين من العرب كـورقة بن نوفل ، مع اقتباسات من الحكمة الشعرية لبعض المتأملين الروحانيين كـأمية بن الصلت ... إلخ،
ثم قالوا: إن القرآن بعد وفاة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان موزعاً بين بعض الصحابة في العظام والجلود، وجزءٌ منه محفوظ في الصدور حفظاً غير تام ولا متناسق، وبعد سبعين سنة -أي: بعد أن تبعثرت العظام والجلود ورمت ومات الحفاظ- وجد المسلمون أن الضرورة تقتضي جمع القرآن فاجتمعوا (كما يجتمع رجال اللاهوت!) وأحضر كلٌ منهم ما كان في حوزته منه، واتفقوا على تنظيمه وتبويبه، لكنهم تشاجروا في مواضع كثيرة، وأخيراً فرضت السلطة الحاكمة نسخة معينة وأحرقت كل النسخ المخالفة بدون مبرر، ونتيجة لذلك جاءت النسخة المعتمدة غير متحدة الموضوع ولا متناسقة السياق -بالإضافة إلى كونها غير مرتبة فالسور التي وضعها أو جمعها محمد في أول ادعائه النبوة وضعت في آخرها بينما وضعت الأخيرة في أولها... إلخ، ثم يقولون: إن اليسار الإسلامي -الشيعة والرافضة - ظل يحتفظ بنسخ أخرى تبلغ أضعاف النسخة المتداولة، التي كان يعتقد أن قسماً كبيراً منها قد فقد بسبب شاة تسللت إلى موضعها فأكلت الجزء المتعلق بالخلافة والسياسة من بعد محمد!!
أما نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد قالوا عن تلقى الوحي: إنه نوبات من الصرع والهستيريا، أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمداً لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقده الراهب بحيرا (وكان يمليه عليه في الصحراء العربية، ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله).
وقالوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه إنه كان مجهول النسب، ولذلك دعي ابن عبد الله، كعادة العرب فيمن يجهلون أباه! وأن اسمه الأصلي قثم، فلما عبده العرب سموه محمداً للتقديس، وأنه كان (حاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رجلاً شهوانياً ويعاقر الخمرة...، بل تطرف بعض المستشرقين الشيوعيين، فقالوا إنه شخصية خيالية!
أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمداً في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآناً، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالاً كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون -أي: بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتباً سميت كتب الحديث والسنة، وألزموا المسلمين بالإيمان بها كالقرآن، فاعتقدها المسلمون -باستثناء اليسار طبعاً-، وسموا أتباعها أهل السنة تمييزاً لهم عن اليساريين!!
ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة، فيطعنون في كبار حفاظها كأبي هريرة والزهري ، ويقولون إن بعض الشخصيات كـعروة بن الزبير - الذي يروي عن خالته عائشة -أم المؤمنين- شخصية خيالية!! [627]
2- القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوى أخلاقية، جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عادته السيئة، كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر... إلخ.وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية، والاستبدال بها تركيباً اجتماعيا قومياً متحضراً للعرب.
ومرة يقال وهو خاص بـالمستشرقين الشيوعيين -إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي، تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة، مثل محمد وبلال وصهيب ، والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف .
وأقوال أخرى مؤداها اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محدودة، يجب أن يدرس وينظر إليها، كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقاً بالواقع المعاصر.
3- القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية، أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي... إلخ.وقضية الخلافة بدعة لا أساس لها في الإسلام، ومحمد إنما جاء ليؤسس ديناً، ولم يكن يهدف إلى تكوين دولة.. وعندما خرجت جيوش الإسلام الأولى لم يكن هدفها إلا السيطرة على المستعمرات الرومانية الخصبة وإكراه أهلها على الإسلام، لكن العرب الفاتحين أعجبوا بالتنظيمات السياسية والإدارية التي كانت لدى الروم فاقتبسوها منهم، ثم أدخلوها في صلب عقيدتهم بغرض التلبيس على العوام وضمان استمرار نفوذهم، ومنذ ذلك الحين ظهرت البدعة القائلة إن الإسلام دين ودولة في آن واحد!!
4- القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني:وهي دعوى مركبة على الدعوى السابقة، هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة، وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوروبية، فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوروبية كالقانون الفرنسي أو السويسري... إلخ.
5- الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة:وواضح أن هذا الادعاء يقوم على استغلال الشعور بالنقص، والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي، وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، وكيف يصح أن يعيش الإنسان في عصر الصواريخ والطائرات على شريعة الصحراء والجمال، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه.
6- الدعوى إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها:وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها -عدم ملاءمتها للحضارة- وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائياً، ومنها تفرع القول: بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الاثنين.
والزعم بأن الشعر الجاهلي، وكثيراً من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه.
7- إثارة ما سمي: (قضية تحرير المرأة):وهي دعوى ركز عليها أولئك، لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها: الطعن في الشريعة ذاتها لأنها سبب احتقار المرأة -بزعمهم-، ونشر الإباحية والانحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشء بدينه، ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء الإسلام كما يشاءون فقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد، وأنه يبيح بيع وشراء وسبي النساء، وأنه يوجب على المرأة أن تعيش وتموت جاهلة مهملة بما يفرض عليها من الحجاب، ويعد حقها في الترفيه والاستمتاع عاراً شنيعاً، في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره...
ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيئ يمدهم بأدلتها، ويسهل لهم إثارتها.
8- تهوين شأن الحضارة الإسلامية، وتشويه تاريخها:يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني -نقله فقط وحفظه من الضياع - وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي... إلخ، أما تشويه التاريخ الإسلامي فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها، حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية؛ ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء، وعمدوا إلى عظمائه في الحرب والسلم، فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعاداة التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكانت ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة (فولكلور).
9- بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها:هذا العمل جزء من تشويه تاريخ الإسلام، إلا أنه استأثر باهتمام بالغ منهم، لأنه يحقق أغراضاً كثيرة في آن واحد، فقد حرصوا على تجديد الغزو الفكري البائد، الذي نظمته الطوائف والفرق المنحرفة كـالباطنية بفروعها المتعددة من إسماعيلية وقرامطة وبابكية ، والعبيديين المسمين فاطميين والزنج أًصحاب الثورة المعروفة، والدروز، والمتصوفون وفرقهم، مع العناية الخاصة بالشخصيات الضالة كـالحلاج وعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح والحاكم العبيدي .. الخ، هذا غير الفرق التي أحدثت للغرض نفسه كـالقاديانية والبابية وفروعهما.
10- نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها:تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر، فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازاً في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملاً من بين عوامل عدة.
ومن أمثلة ذلك بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب والحميرية في اليمن ، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية -كما سيأتي- ونجم عن ذلك نتائج خطيرة، منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين، وبث النعرات الانفصالية، وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي، أو على الأقل إشغالها عنه، وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام كما عاشت تلك الحضارات قبله.
11- وضع منهج لاديني للبحث العلمي:لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك لكفى، فإن جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية والحياد العلمي، وهو أبعد ما يكون عنهما، ومن أوضح وأقرب الأمثلة على ذلك ما نلحظه في كتابات كثير من الباحثين المسلمين، من إصرار على استعمال عبارة (قال القرآن) عند إيراد الآيات احترازاً من قول: (قال الله) وإطلاق لفظة (محمد) تماماً كما يستعملها المستشرقون بدون ذكر الرسالة أو الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
منقول من موقع الدكتور سفر الحوالي