تقرير اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل بمناسبة يوم التضامن العالمي مع ضحايا التعذيب
سلطات مختلفة في إسرائيل وفي مقدمتها الشاباك والجيش اعتادت تكبيل معتقلين بشكل مؤلم وعلى نحو يشكّل تعذيبا وتنكيلا
ايناس مريح_حيفا
نشرت اللجنة العامة ضد التعذيب في إسرائيل هذا الصباح تقريرا خطيرا يستند إلى 574 حالة اعتقال بأيدي جنود وعشرات التحقيقات لدى جهاز الأمن العام خلال السنة الماضية، وكذلك إلى حالات إضافية من سنوات مضت. يتضح من التقرير أن سلطات مختلفة في إسرائيل، وفي مقدمتها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) اعتادت تكبيل معتقلين وسجناء بشكل مؤلم ومُهين يصل أحيانا حدّ التعذيب الفعلي، خلافا للقوانين الإسرائيلية، ولقرارات المحكمة العليا، وللقانون الدولي والمعايير الدولية المتعارف عليها، التي تُتيح تكبيل معتقلين وسجناء في أصفاد فقط لغرض منع فرارهم من المعتقل أو منع الخطر عنهم أو عن بيئتهم، اعتادوا في إسرائيل أن يكبّلوا المعتقلين بشكل مؤلم كأنه أمر عادي. يأتي هذا التكبيل المؤلم من دوافع باطلة واعتبارات غرابتها واضحة تشمل التسبب بالألم والمعاناة، والمعاقبة والتخويف والتمييز وابتزاز معلومات واعترافات بشكل غير قانوني. ضحايا هذه العادة هم بالأساس معتقلون فلسطينيون يُعرّفون بالأمنيين، وكتبت التقرير المحامية سماح الخطيب ـ أيوب من اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل وعنوانه التنكيل كآلية للتنكيل والتعذيب. يُنشر التقرير بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا التعذيب، الذي يتم إحياؤه في أرجاء العالم في ألـ 26 من حزيران، أي اليوم الجمعة.
موجز التقرير:
يعرض التقرير سلسلة طويلة من الشهادات التي أدلى بها معتقلون فلسطينيون كانوا قد كُبلوا بشكل مؤلم بأيدي جنود أو رجال جهاز الأمن العام، وأحيانا بأيدي سجانين. معتقلون كُثر، يتضح من التقرير، يعانون من تكبيل مؤلم في مراحل مختلفة من اعتقالهم والتحقيق معهم، بدءا من اعتقالهم بأيدي الجيش الإسرائيلي، مرورا بالتحقيق معهم بأيدي محققي جهاز الأمن العام. ويتم تكبيلهم أحيانا بشكل مُهين أثناء نقلهم لتلقي العلاج الطبي بل وخلال تلقي العلاج نفسه.
التكبيل بأيدي الجيش الإسرائيلي:
معطيات التقرير تُشير إلى أن الجنود اعتادوا تكبيل أيدي معتقلين بشكل مؤلم ومضرّ، بدءا من لحظة اعتقالهم وانتهاء بنقلهم إلى مراكز الاعتقال المختلفة، وهذا دون تفعيل تقدير فردي. وغالبا ما يتمّ التكبيل من وراء ظهر المعتقل، من خلال تشديد قبضة القيود البلاستيكية الضيقة، بشكل يسبّب الألم، بل أحيانا الضرر الجسماني لأمد بعيد. يصف قسم من المعتقلين تشديد آخر لقبضة الأصفاد بهدف واضح لإحداث المزيد من الألم كردّ على شكاويهم للجنود بشأن الألم الذي سببه لهم التكبيل. يدلّ هذا السلوك على عدم المبالاة من جانب الجنود والضباط، وأحيانا على نية مقصودة للتسبب لهم بألم. وثقت اللجنة في السنة الماضية لا يقلّ عن 574 حالة تكبيل مؤلم بأيدي جنود الجيش الإسرائيلي. تدلّ هذه المعطيات التي تشكّل فقط غيضا من فيض هذه الحالات، على انتشارها الواسع. وهذا ما تدعمه شهادات جنود واردة في التقرير قامت بجمعها جمعية "نكسر الصمت".
نموذج للاقتباس:
"صرخت من الألم في يدي، عندها اقترب مني أحد الجنود وسألني ما الذي يحدث معي، لماذا أصرخ؟، قلت أن القيد يؤلمني جدا، وعندها اقترب ليرى يدي. اعتقدت أنه ذاهب لتحريري من القيد، وبدل ذلك لفّ العقدة أكثر وشدّد التكبيل أكثر" (من تصريح يزن صوالحة، من سكان نابلس كان قد اعتقل بأيدي جنود الجيش الإسرائيلي).
التكبيل أثناء تحقيق جهاز الأمن العام:
يتم نقل المعتقلين الأمنيين عادة من أيدي الجنود إلى مراكز جهاز الأمن العام. وعلى الرغم من كون هذه المراكز محمية ومغلقة، ولا خطر من هروب المعتقلين منها، يتم تكبيلهم ـ كأمر اعتيادي ـ بكلتا اليدين من وراء متكأ المقعد، ويتمّ حجزهم على هذا النحو لساعات طويلة بل ولأيام كاملة. أحيانا يتمّ تكبيل المعتقلين على هذا النحو لمدة ساعات في غرفة التحقيق المغلقة، حتى عندما لا يخضعون للتحقيق قطعا. تكبيل مؤلم كهذا، في وضعية غير سوية للجسم، يترك أحيانا أثره كضرر صحي بعيد المدى أو حتى للعمر كله. وهذا ما لا يُمكن تبريره بالادعاء الرسمي الشائع، سلامة المحققين أو منع الهرب من الاحتجاز. ويتضح أن هذا الادعاء غير مقبول في ضوء حقيقة أن هؤلاء المعتقلين أنفسهم ـ الذين كُبّلوا في غرف التحقيق لجهاز الأمن العام ـ يتمّ إحضارهم لاحقا لأخذ شهاداتهم أمام محققي الشرطة، وهناك لا يتم تكبيلهم أبدا. لا تترك الأمور مجالا للشك في أن التكبيل المؤلم لا يُقصد منه سوى كسر معنويات المستجوَب والحصول منه على اعتراف ومعلومات بشكل غير قانوني خلافا لتعهد إسرائيل بموجب المعاهدة الدولية ضد التعذيب ومعاهدات دولية أخرى. هذا وأكثر، أحيانا يدرج محققو جهاز الأمن العام على تكبيل المستجوَبين بقيود إضافية، مشدودة إلى زنودهم وأذرعهم وتشديد قبضتها بشكل يتضح منه تماما أنه يهدف إلى التسبب بألم لا يُحتمل. وفي التقرير حالة مفصلة أخرى تم فيها تكبيل معتقل بأيديه وأرجله إلى سرير لمدة يومين متتاليين دون أن يتم التحقيق معه ودون السماح له بالذهاب إلى المرحاض لقضاء حاجته، الأمر الذي اضطره قضاء حاجاته في ملابسه.
نموذج لاقتباس:
"أحدهم ]المحققين[ أحضر أصفادا ضيقة جدا من معدن، شدّها بقوة على يدي فوق الضمادة المرنة ولفّها بقوة حول ذراعي وشعرت أنه يلوي العظم وكأنه يفصل بين اللحم وعظم الذراع. فعل ذلك لكل يد على انفراد، بالتناوب ـ مرة يدي اليمنى ومرة أخرى يدي اليسرى...وصرخت بكل قوة لأنه آلمني جدا. وفي كل مرة صرخت فيها، صرخ هو بشكل أعلى في أذني اليمنى عندما لفّ الأصفاد على ذراعي اليمنى، والعكس" (من شهادة هيثم إبراهيم سلهب، من سكان القدس الشرقية الذي تم التحقيق معه في معتقل المسكوبية في القدس).
تكبيل المعتقلين والسجناء أثناء العلاج الطبي:
ويتضح من التقرير، أيضا، أنه على الرغم من التحسن في طريقة تكبيل المعتقلين والسجناء المنقولين لتلقي العلاج الطبي ـ نتيجة نشاط اللجنة و"أطباء لحقوق الإنسان" ـ لا يتمتع بذلك كل المعتقلين المعرّفين بـ"الأمنيين". هؤلاء يواصلون الحصول على علاج طبي في المستشفيات وهم مكبلون، دون تفعيل تقدير فردي لمدى الخطورة التي يُشكلونها وبدون علاقة لخطورة المخالفة المنسوبة إليهم.
التوصيات:
يتضمن التقرير سلسلة من التوصيات المفصلة للسلطات المختلفة ومن ضمنها الدعوة للامتناع عن تكبيل معتقلين دون تفعيل رأي فردي للقيام بذلك في الحالات التي يتضح فيها وجود مسوّغ للتكبيل، ورد في التقرير، أنه يجب القيام بذلك بشكل غير مؤلم وبدرجة لا تزيد عن الحدّ المطلوب. تدعو اللجنة كذلك لتطبيق أحكام القانون ومعاقبة المخالفين بما في ذلك سريان مفعول مسؤولية مبدأ المبعوثية على الضباط، والسماح برقابة مستقلة على ما يجري في مراكز التحقيق التابعة لجهاز الأمن العام. ومن المطلوب، أيضا، التوثيق المرئي والصوتي على فحص شكاوي بشأن تكبيل مؤلم وأشكال أخرى من التنكيل والتعذيب خلال التحقيق. الأمر مهم بشكل خاص في ضوء الحقيقة أن الغالبية الساحقة للشكاوى يتم التحفظ عليها بدعوى أنه من غير الممكن التأكّد منها.