
مقر نقابة العمال خمسة طوابق
مراسل "مع الحدث" يعاين مواقع القصف في جباليا ويصف شناعة الجرائم
"الشتاء الساخن": المحرقة التي أحرقت الأخضر واليابس، البشر،الشجر والحجر
مع سبق الإصرار والترصد جيش الاحتلال يستهدف رجال الإسعاف والدفاع المدني
محمد علي - مع الحدث - غزةوصف البعض،الايام الماضية في قطاع غزة وجباليا خاصة، بايام الإبادة الجماعية،ووصفها البعض الآخر بالتطهير العرقي ووصفها الإسرائيليون أنفسهم على لسان (متان فيلنائي ،نائب وزير الحرب الإسرائيلي بالمحرقة حين قال في تصريح لإذاعة جيشه: " إذا ما استمر الفلسطينيون في إطلاق الصواريخ فسيجرون على أنفسهم محرقة جديدة".أما من شاهد بعينيه حجم الدمار والخسائر البشرية وسمع ما مارسه جيش الاحتلال فيستطيع أن يطلق عليها هذه الصفات مجتمعة.
الأسلحة المحرمة دوليا استخدمت بما فيها القذائف المسمارية والقنابل الفراغية، من إحدى الطرق النازية في القتل لا فرق بينهما وربما لم يفعلها النازيون من قبل، فلا تمييز بين مدني ومقاوم ولا بين طفل و رجل طاعن أو بين امرأة ورجل، فالجميع طاله بطش الآلة العسكرية الإسرائيلية.
وبعد أربعة أيام من القتل والدمار أعلنت قوات الاحتلال انتهاء العملية العسكرية شرق بلدة جباليا شمال قطاع غزة والتي أطلقت عليها " الشتاء الساخن"، فانسحبت الدبابات الإسرائيلية،وانسحب الجنود الاسرائيليون وخّلفوا ورائهم أكثر من 100 شهيد وقرابة الـ 300 جريح منهم من هو في حال الخطر الشديد جدا، وأبقت القوات الاسرائيلية على الطائرات الحربية والمدافع الأرضية لتمارس هواياتها بقصف المقرات والمساكن والبحث عن هدف لتقتله.
للوهلة الأولى وعند دخولك جباليا تظن أن إعصارا مدمرا ضرب المنطقة، بيوت مدمرة وأراض زراعية مجرفة بالإضافة إلى أضرار فادحة بشبكات الصرف الصحي وشبكات الكهرباء والهاتف وطرق مدمرة،هواية يتقنها جيش الاحتلال الإسرائيلي وهي هواية الدمار وتيتيم الأطفال و "ترميل" النساء،
بيوت العزاء أو ما يطلق عليها بـ " البـِرْزه" انتشرت في شوارع وأزقة بلدة جباليا وغيرها من المدن التي وضع جيش الاحتلال بصمته عليها، إلا أن بلدة جباليا كان لها النصيب الأكبر من العدوان الإسرائيلي.
في كل شارع قصة، وفي كل بيت رواية يرويها من بقي على قيد الحياة أو يرويها لك أحد المقربين أو الجيران ووراء كل شهيد أو جريح حكاية.
على أرضها التي جرفها جيش الاحتلال في بلدة جباليا التقت صحيفة "مع الحدث" مع الحاجة أم محمد لتروي لنا تفاصيل الأيام الأربعة المرعبة وكيف عاشتها وأحفادها داخل المنزل.

الحاجة أم محمد
تقول الحاجة أم محمد:" بدأت الأحداث عندما سمعنا إطلاق نار كثيف ومتبادل فأدركت لحظتها بأن هناك قوات خاصة إسرائيلية تسللت تحت جنح الظلام وأن رجال المقاومة قد تصدو لها، وبعدها بقليل سمعت صوت طائرات الأباتشي والدبابات وهي تتقدم باتجاه البلدة، ثم أطلقت طائرة الأباتشي صاروخا باتجاه هدف ما علمت فيما بعد أنه أصاب بعض رجال المقاومة، فجمعنا أنفسنا أنا وابني وزوجته وأحفادي في غرفة داخلية خوفا من أن تصيبنا رصاصة طائشة" ، وتابعت الحاجة أم محمد :" وما هي إلا دقائق حتى ازداد صوت الانفجارات وإطلاق الرصاص فأيقنت بأن العملية كبيرة وليست مجرد عملية عابرة".
ووصفت الحاجة أم محمد الوضع بالجحيم، وقالت أم محمد بأن طيلة الأربعة أيام لم يغادروا منزلهم :" لم نستطع أن نغادر البيت وطيلة فترة الاجتياح دون ماء أو كهرباء ونحن دون مبالغة منبطحون على الأرض إلا للضرورة القصوى، فالقناصة يعتلون المنازل المحيطة لبيتنا من كل جانب والدبابات استقرت أمام المنزل". وأضافت أم محمد بأنه لولا تخزين بعض المواد الغذائية والمعلبات لقضوا من الجوع، واوضحت أن أصعب شيء كان الخوف والرعب الذي عاشه الصغار فعند كل قذيفة أو صاروخ ينفجر يصاب الأطفال بموجة من البكاء والصراخ وتبول لا إرادي ، ويرفضون النوم إلا بحضن آبائهم ويستيقظون وحرارتهم مرتفعة من كوابيس تراودهم أثناء النوم مؤكدة إصابتهم بأمراض نفسية وعصبية.

اثار القصف على جباليا
واستغربت أم محمد اجتياح منطقة شرق جباليا مؤكدة عدم إطلاق أي صاروخ باتجاه المستوطنات الإسرائيلية من منطقتهم ، واصفة ما حدث بالعقاب الجماعي الذي يمارسه جيش الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين.

سمعان عطا الله
وأكدت الحاجة أم محمد بأنها ضد إطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية وبأنها تريد العيش بسلام مع أبنائها وأحفادها ولكنها بالمقابل تريد من دولة الاحتلال تنفيذ ما عليها من التزامات ووقف اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني ومنحه حقوقه كاملة غير منقوصة.
هذا كان حال العشرات من المواطنين الذين لم يستطيعوا مغادرة منازلهم بسبب رصاص القناصة وصواريخ الأباتشي أو طائرات الاستطلاع والتي يطلق عليها الفلسطينيون "الزنانة".

ركام منزل عطا اللة
أهالي المنطقة انشغلوا بعد الانسحاب الإسرائيلي في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أثاث وأدوات منزلية من بين ركام منازلهم وآخرون توجهوا إلى المستشفيات للسؤال عن قريب أو عزيز، ومن بين هؤلاء أحد أقارب الطفل شكري خضر البالغ من العمر 10 سنوات والذي أصيب بشلل نصفي جراء شظية أصابت عموده الفقري،وذكر قريب الطفل شكري بأنه ما أن سمع عبر الهاتف النقال بإصابة شكري حتى توجه إلى مشفى الشفاء للاطمئنان على حالته. حاولت الحديث مع الطفل شكري في قسم العناية المركزة لسؤاله عن كيفية إصابته بالشظية إلا أنه كان دائم البكاء ويطلب من الممرض المشرف عليه أن يجلسه، فأشار لي الممرض بأنه لا يعرف بأنه قد أصيب بالشلل وبأنه سيعيش ما بقي من عمره مقعدا.

الطفل شكري خضر شلل نصفي
الكثير من جثث الشهداء كانت لا تزال في الثلاجة بعضهم استشهد جراء إصابته برصاصة قناص يهوى القتل وبعضهم كانت جثثهم عبارة عن أشلاء واختفت معالمهم ومنهم أطفال أصيبوا بصاروخ من طائرة أباتشي أو F 16 .
قوات الاحتلال أبدت عدم التزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني والتي تحظر استهداف المدنيين ومنازلهم وممتلكاتهم، والتي تلزمها أيضا بتسهيل مهام الطواقم الطبية وعمليات إخلاء الجرحى والمرضى.
شهداء أشلاء، ومصابون استشهدوا ولم تصلهم سيارات الإسعاف لتعرضها لإطلاق النار الأمر الذي أدى لاستشهاد محمود زقوت ضابط إسعاف أثناء تأديته عمله في إنقاذ الجرحى

عبد الرحيم زقوت
ابن عم الشهيد عبد الرحمن الزقوت قال لصحيفة "مع الحدث" ان الشهيد كان يرتدي سترة الإسعاف الفسفورية والتي تدل على أنه يعمل كضابط إسعاف وكان يقوم بواجبه الإنساني وأنه فقد لمدة ثلاثة أيام وأنه فجر اليوم الثالث وعند البحث عنه وجد الشهيد أشلاء جراء إصابته بقذيفة دبابة ووجد نصف جسده مدفونا بالتراب، حيث قامت دبابة إسرائيلية بالمشي فوقه، وأضاف عبد الرحمن بأن الصليب الأحمر طلب من الجيش الإسرائيلي البحث عنه فجر اليوم الذي فقد فيه إلا أن الجيش رفض ذلك، وتساءل عبد الرحمن لماذا يستهدف رجال الإسعاف مؤكدا أن استهداف قوات الاحتلال لطواقم الإسعاف عمل لا أخلاقي يجب أن يعاقب عليه جيش الاحتلال,
ومن القصص المروّعة والتي ارتكبها جيش الاحتلال قصف طائرة F 16 منزلا في مدينة غزة يعود لعائلة عطا الله لتدمر المنزل بالكامل ويستشهد جميع أفراد العائلة الأب عبد الرحمن( 65) عاما ، الأم سعاد (60)، الأبناء خالد (34)، إبراهيم (36)، رجاء (32) والتي كانت تستعد ليوم خطوبتها الذي كان من مقرر أن يقام بعد عدة أيام وابتسام(30) عاما ، بالإضافة إلى اثنين في حالة الخطر أحدهم أنس ابن أحد الشهداء ولا يتجاوز الشهر من العمر.
وسط حي سكني مزدحم تم تدمير البيت المكون من طابقين وسوته بالأرض وتم انتشال جثث الشهداء على مدى يومين متتالين.
ابن عم الشهداء سمعان عطا الله قال لصحيفة "مع الحدث" انه من الغريب جدا أن يستهدف مدنيين ولكن ليس من الغريب أن يقوم بذلك جيش الاحتلال الإسرائيلي، مضيفا أن هذا نوع من التخبط الإسرائيلي والذي يهدف لإقناع جيشه بشيء معين، واصفا قصف البيت بالجريمة ضد الإنسانية يحاسب عليها القانون الدولي.
وقال عطا الله:" حتى لو افترضنا أن أحدهم كان قائد عسكري أو غيره فهذا لا يبرر أن تقصف بيته بوجود الأطفال والنساء". وأشار عطا الله الى أن اغتيال الشهداء لن يوقف الشعب عن المطالبة بحقوقه والدفاع عن أرضه.
سياسيا،أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن الانسحاب الإسرائيلي من بلدة جباليا هو انتصار عظيم حققته المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب القسام في صد العدوان الهمجي الإجرامي على قطاع غزة وأن المقاومة هي الخيار الإستراتيجي لحماية الشعب الفلسطيني ومصالحه واسترداد حقوقه بعد فشل كل أشكال التفاوض مع العدو الصهيوني.
وقال الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فوزي برهوم ان تهديدات رئيس وزراء الحرب الإسرائيلي ومصادقته على تصفية القادة السياسيين لحركة حماس يعكس حالة التخبط التي باتت تعيشها هذه المؤسسة الإرهابية الصهيونية أمام مسلسل الفشل الذريع الذي منوا به جراء ثبات وصمود حركة حماس والتفاف الشعب الفلسطيني حولها".
وأكد برهوم أن "أهداف هذه الحرب هي أهداف سياسية الهدف منها تصفية برنامج المقاومة والقضاء على حركة حماس وإسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي ثبتت المفهوم الوطني وهو المقاومة كخيار إستراتيجي لحماية حقوقنا وثوابتنا ومصالح شعبنا،واندحار العدو الصهيوني من غزة تحت ضربات المقاومة يثبت هشاشة وانكسار جيش الاحتلال الذي أخافوا به الدول العربية والإسلامية فوقفت هذه الدول عاجزة عن حماية الشعب الفلسطيني وتركته وحده يقارع هذا العدوان".

تجريف الأراضي